الشيخ محمد هادي معرفة
404
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وصاحبه ، وأبرع الكوفيّين وأعلمهم بالنحو واللغة وفنون الأدب . قال ثعلب : لولا الفرّاء لما كانت عربيّة ؛ لأنّه خلّصها وضبطها . وكانت له حظوة عند المأمون ، كان يقدّمه ، وعهد إليه تعليم ابنيه ، واقترح عليه أن يؤلّف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العربيّة ، وأمر أن تُفرد له حجرة في الدار ووكّل بها جواري وخدما للقيام بما يحتاج إليه ، وصيّر إليه الورّاقين يكتبون ما يمليه ، وقد عظم قدر الفرّاء في الدولة العبّاسيّة . كان الفرّاء قويّ الحافظة ، لا يكتب ما يتلقّاه عن الشيوخ استغناءً بحفظه . وبقيت له قوّة الحفظ طوال حياته ، وكان يُملي كتبه من غير نسخة . قيل عنه : إنّه أمير المؤمنين في النحو . يقول ثمامة بن الأشرس المعتزليّ عنه - وهو يتردّد على باب المأمون - : فرأيت أُبّهة أديب ، فجلست إليه ففاتشته عن اللغة فوجدته بحرا ، وفاتشته عن النحو فشاهدته نسيج وحده ، وعن الفقه فوجدته رجلًا فقيها عارفا باختلاف القوم ، وبالنحو ماهرا ، وبالطبّ خبيرا ، وبأيّام العرب وأشعارها حاذقا . وكان سبب تأليفه لكتاب معاني القرآن على ما حكاه أبو العبّاس ثعلب أنّ عمر بن بكير كان من أصحابه وكان منقطعا إلى الحسن بن سهل ، فكتب إلى الفرّاء : أنّ الأمير الحسن بن سهل ربّما سألني عن الشيء بعد الشيء من القرآن ، فلا يحضرني فيه جواب ، فإن رأيت أن تجمع لي اصولًا أو تجعل في ذلك كتابا أرجع إليه فعلت . فأجابه الفرّاء ، وقال لأصحابه : اجتمعوا حتّى أمِلّ عليكم كتابا في القرآن ، وجعل لهم يوما ، فلمّا حضروا خرج إليهم وكان في المسجد رجل يؤذّن ويقرأ بالناس في الصلاة ، فالتفت إليه الفرّاء ، فقال له : اقرأ بفاتحة الكتاب ، ففسّرها ، ثمّ توفَّى الكتاب كلّه ، يقرأ الرجل ويفسّر الفرّاء . قال أبو العبّاس : لم يعمل أحد قبله ، ولا أحسب أنّ أحدا يزيد عليه . وعن أبي بديل الوضّاحيّ : فأردنا أن نعدّ الناس الذين اجتمعوا لإملاء الكتاب فلم يضبط ، قال : فعددنا القضاة فكانوا ثمانين قاضيا . وعن محمّد بن الجهم : كان الفرّاء يخرج إلينا - وقد لبس ثيابه - في المسجد الذي في خندق عبويه ، وعلى رأسه قلنسوة كبيرة ، فيجلس فيقرأ أبو طلحة الناقط عَشْرا من